نتشارك في حياتنا الهموم والمشاكل التي نواجها ونحاول تجاوزها، وخلال نقاشاتي مع فئات المجتمع المختلفة سواء مع الأهل، الأصدقاء، الأقارب وغيرهم وجدت بعض المواضيع المشتركة مثل:
- التذمر من سوء مستوى الفريق المفضل في الرياضة المفضلة
- عدم الرضا بالوظيفة
- التذمر من المدير السيء والإدارة السيئة
- التذمر من اختلاف طريقة تفكير الأهل عن تفكيرنا
- التذمر من ضعف الدخل والراتب
- التذمر من تدهور الحياة والعالم بشكل عام
- التذمر من القوانين العامة والقرارات التي تؤثر على حياتنا
بصفتي شخص إيجابي وأحب التفاؤل -وأحياناً أستمتع بالجدل مع المقربين- ، دائماً ما أحاول أن اشرح لمن حولي عن الأسباب والدوافع خلف اتخاذ القرارات من الأشخاص المسؤولين في المواضيع المذكورة. لكن السؤال الأهم سواء عرفنا الدوافع أم لا هو: ما الحل لتجاوز هذه الهموم؟
ما سأكتبه الآن هو تصميم لطريقة تفكير يستطيع كل منا تطبيقه على أي هم يواجهه وبإذن الله بعد التطبيق سيساهم في تحسين الحياة بشكل ملحوظ. هذه فلسفات ومفاهيم تعلمتها من مصادر مختلفة في حياتي وأقدمها لكم بشكل متكامل ومترابط لتحقيق أعلى نتيجة.
لا تشعر بالعجز والضعف
بدايةً علينا أن نتفاءل ونحسن الظن بالله كما يقول الحديث القدسي: “ أنا عِندَ ظَنِّ عَبدي بي” ومن بعدها الأخذ بالحديث النبوي من ١٤٠٠ سنة الذي يقول: “اللهم إني أعوذُ بكَ منَ الهمِّ والحزَنِ، وأعوذُ بكَ منَ العجزِ والكسلِ، وأعوذُ بكَ منَ الجُبنِ والبخلِ ؛ وأعوذُ بكَ مِن غلبةِ الدَّينِ وقهرِ الرجالِ.”
والحديث الآخر: “المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضَّعيف، وفي كلٍّ خيرٌ، احرص على ما ينفعُك، واستعنْ بالله، ولا تعجز، وإن أصابَك شيءٌ فلا تقل: لو أني فعلتُ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل؛ فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان.”
ومن بعد هذه الأحاديث من رسولنا صلى الله عليه وسلم والفأل، علينا اليقين أن المطلوب منا هو العمل وأن النتيجة والرزق بيد الله، لا نجعل تأخر النتيجة سبب في استسلامنا أو شعورنا بالعجز.
هذا يعني عدم الاستسلام لموقفنا الحالي وتغيير منظورنا للأمور بالنظر الإيجابي للموقف وإيجاد حلول بديلة، وبالمناسبة في أغلب الأحيان هنالك حل بديل ومختلف عن الحصار الذي نتخيل أنفسنا فيه.
قد تقول أني أبالغ، أفهمك وأقول لك أن المفهوم القادم هو بالضبط ما جعلني أكتب هذه التدوينة.
دائرة التأثير
مفهوم “دائرة التأثير ودائرة الاهتمام” نسمعه بشكل متكرر في حياتنا لكن هل هو تنظير أم حقيقة؟ في الحقيقة أن هذا المفهوم حقيقي وتطبيقه سيغيّر نظرتنا للحياة.
هنا تعريف سريع للدائرتين:
دائرة الاهتمام: في الحقيقة اعتقد ان هذه ليست دائرة بل أرض واسعة جدا تحتوي على كل المواضيع والأفكار التي نتعرض لها في حياتنا اليومية بدون القدرة على التحكم فيها بشكل مباشر، مثل نتيجة ومستوى الفريق الذي نشجعه، محتوى تعرضه لنا الخوارزمية في وسائل التواصل، قرار مدير، مزاج شخص قريب لنا، زحمة الطريق، حرارة الطقس وغيرها.
دائرة التأثير: هي دائرة صغيرة في داخل الأرض الواسعة التي نسميها (دائرة الاهتمام) وتحتوي على كل المواضيع التي نستطيع التأثير عليها وفيها، مثل الثوب الذي نرتديه، الطريق الذي نسلكه للمكتب، طريقة قضائنا لوقتنا في يومنا، الأكل، موعد النوم والاستيقاظ، مصروفاتنا وادخارنا للأموال، الكلمة الطيبة التي نقولها والابتسامة في وجه من نلقاه.
المنطقة المشتركة:
بعض المواضيع تقع في منطقة مشتركة بين الأرض الواسعة (دائرة الاهتمام) ودائرة التأثير، وهنا نحتاج إلى الحكمة والخبرة في تقييم الأمور لأن بعض المواضيع مع الوقت تكتشف أن مردودها عليك ضعيف مقابل الجهد والوقت والأفضل أن تتجاهلها، وفي بعض الأحيان علينا الاستسلام من محاولة تصحيح الأفكار القهرية التي لدينا وقبولها كما هي مثل ضعفنا في جانب من جوانب الحياة بالرغم من كل محاولاتنا لتحسينه.
من الأمثلة على الهموم في المنطقة المشتركة همّ “راتبي منخفض” هذا موضوع لا نستطيع التأثير فيه بشكل مباشر في حال كانت وظيفتنا بدوام كامل وكانت سياسة الشركة في الزيادات بطيئة. لكن الحقيقة أننا نستطيع مع الأخذ بالأسباب أن نساهم في زيادة الراتب، كيف؟ عن طريق التركيز على كل ما يخص زيادة دخلنا في داخل دائرة التأثير مثل الحصول على دورات مهنية، التفوق المهني والجاهزية للحصول على أي فرصة لمنصب أو ترقية بالشركة، زيادة المعرفة في القطاع الذي نعمل به عن طريق الكتب والبودكاست وغيرها، العمل الجزئي مع جهات أخرى، الاستثمار بالأسهم أو ما شابهها.
بعد معرفة هذه المفاهيم سنتمكن من الخروج من أغلب الحصارات التي نتخيلها في حياتنا، خصوصا الحصارات التي تكون في دائرة التأثير أو المنطقة المشتركة. السر هو أن نغير نظرتنا للأمور من لعب دور الضحية ولوم العالم على ما نحن عليه إلى قبول حياتنا كما هي ومن ثم طرح سؤال: كيف نستطيع تخفيف الأثر السلبي علينا؟ وبعدها العمل على تطبيق الإجابات التي نحصل عليها.
حصلت على إجابات كثير وما عرفت من أين تبدأ وتشعر بأنك عالق بين الأفكار؟ ممتاز حان وقت قاعدة 80/20.
هذه أيضاً قاعدة قديمة لكنها صحيحة وتنطبق إلى اليوم. فكرتها أن 80٪ من النتائج في الحياة تأتي من 20٪ من المسببات، مثل أن 80٪ من ثروة العالم يملكها 20٪ من الناس، أو أن 80٪ من مبيعات الشركة تأتي من 20٪ من العملاء، تطبيق هذه النظرية على مستوى حياتنا يعني أن نركز على 20٪ من مهامنا لتحقيق 80٪ من أهدافنا. بالتالي علينا تجنب إرهاق أنفسنا في ملاحقة تنفيذ جميع المهام التي في قائمة مهامنا الطويلة بنفس الوقت. ضروري أن نبدأ بترتيب المهام بحسب الأولوية والبدء بتنفيذ أهم 3 مهام منها.
بعد التنفيذ علينا تقييم النتيجة وتحديد إذا كان تكرار هذه المهمة فعلاً مفيد أم أن الوقت المطلوب لها أعلى من فائدتها.
أغلب الأمور نستطيع أن نحولها لصالحنا إذا استطعنا أن ننظر لها من منطلق دائرة التأثير.
أكثر ما شجعني لكتابة هذه التدوينة هي النقاشات مع من حولي وخاتمة كتاب “الحلم الكبير” لعمر الجريسي حيث أجاب عن سؤال ماهي النصائح التي يقدمها بعد تجربته لتوثيق الرؤية، وكانت إجاباته “التركيز على دائرة التأثير”.

أمثلة على تطبيق مفهوم التركيز على دائرة التأثير:
مثال ١: هيلين كيلر أصيبت في سن 19 شهرا بمرض أفقدها حاستي السمع والبصر، وهي في سن السادسة، وكانت لديها معلمة تبلغ من العمر 20 عاما تدعى آن سوليفان (ماسي) من معهد بيركنز للمكفوفين في بوسطن، تعلمت لغات عدة وألفت ١٤ كتاباً. من مقولات هيلن: “لن يكون لدي وقت أضيعه في التأسف أو التمني، هناك كثير من الأشياء التي لما تزال تستحق الرؤية.”، وقالت أيضاً: “لقد أُعطيتُ الكثير، فلا وقت لديّ للتفكير فيما حُرمتُ منه.”
مثال ٢: فارس التركي طبق مفهوم دائرة التأثير على أكمل وجه بالتحول من مطاعم فاخرة إلى مطاعم حديثة واقتصادية ساعدته في تقليل تكاليف التشغيل والإيجار وزيادة فروعه بنفس الوقت، بالإضافة إلى تحديث قائمة الطعام وتقديم الطلبات على ساعات اليوم المختلفة بدل الاكتفاء بالفطور كما كان يفعل سابقاً.
مثال ٣: تطبيقات التوصيل أصبحت تقلل ربح المطعم ولابد من تدخل المنظم لحل الموضوع وأنا لدي الخيار بين البقاء “محاصر” أو التكيف مع الظروف واتخاذ القرارات اللازمة لتقليل التكاليف مثل اللجوء الى عمل مطبخ سحابي واستغلال وجود تطبيقات التوصيل.
مثال ٤: تطبيق الانماء قام عمل فكرة ذكية جداً خلال كأس العالم وهي مسابقة “فانتاسي” لتوقعات نتائج المباريات والمتسابق الحائز على أعلى مجموع نقاط يحصل على سيارة بورش!
بعد علمي بهذه المسابقة أصبحت أشجع المنتخب الأقوى بغض النظر إذا كان عربي أو لا، لأن فوز المنتخب العربي ينصب في الأرض الواسعة (دائرة الاهتمام) وفوز المنتخب الأقوى سيؤثر على نقاطي وترتيبي بالمسابقة.







